مُشفقةٌ أنا على زماننا هذا ..
حيثُ يتهافتُ الناسُ إلى المالِ والمتاعِ كما يتهافتُ الذبابُ إلى الحلوى ..
تطوى صفحاتٌ لأيامٍ مضت ، طوى فيها أناسٌ لياليهم يعانون من الم الجوع يؤرّقهم ..
فلا يسبلون أجفانهم لنوم ، وشبح الفقر يطاردهم !
غريبةٌ هي الحياة ... كيف تتبدّل ألوانها ، وتسبغُ على نفسها أثواباً شتّى ، تضيع الحقائق ، وتلهي بشكلٍ ، وتنسي الجوهر .
غابةٌ هي الدّنيا ... إذا بحثنا لأنفسنا عن كلّ ما يستهوينا ، ويرضي رغائب النفس ، ويسعد القلب الممتلئ غروراً .
غابة هي الدنيا ... والقويُّ فيها يأكلُ الضّعيف دون رحمة ، وتختفي أصواتُ الضّعفاء وتندرُ المروءة , وتصبحُ الشّهامةُ عملةً نادرة
لا يتبادلها النّاس إلا قلّة تحرّك في داخلهم وازعُ الضّمير فحرّكهم إلى العطاء .
وغابةٌ هي الدنيا ... إذا لم نشعر بآلام الآخرين فنواسيهم ، ونسمع أنّات الألم في قلوبهم فنهبُّ لمواساتهم ، نرقيهم من الحزنِ ببسماتِ الخير
ومن الجوع بلقمة سائغة نوصلها لهم ، وببضعة دراهم قد لا تعني لنا شيئاً لكنّها قد تكونُ لهم كنزاً في يومهم .
غابةٌ هي الدنيا ... إن تركناها للهوى ، وتركنا أنفسنا ومضينا في لهونا ، وكم نمضِ نغفلُ حقوقاً ، ونتناسى واجبات , ونبخلُ على أنفسنا
فلا نغنيها بالصّدقة ، ونقترُ على صحائفنا بجزيل ثوابٍ يأتينا من ربّ كريم يجزلُ الأجرللمصّدقين .
..
..
في قصص التاريخ قصّة رائعة ، كثيراً ما قرأناها ، ومررنا عليها مرور الكرام ، سأعرضها للتأمل :
عن شيبة الدمشقي قال :
كان في زمن سليمانبن عبد الملك رجل من بني أسد يقال له : خزيمة بن بشر ، مشهور بالمروءة والكرم والمواساة
وكانت نعمته وافرة
فلم يزل على تلك الحال حتى افتقر ، فأحتاج إلى إخوانه الذين كان يواسيهم ويتفضل عليهم ، فواسوه حيناً ثم ملّوه ..
فلما لاح له تغيرهم
قال لامرأته :
يابنة عم ، قد رأيت من إخواني تغيراً ، وقد عزمت على لزوم بيتي إلى أن يأتيني الموت
ثم أغلق بابه عليه، وأقام يتقوّت بما عنده حتى نفد ،وبقي حائراً في حاله .
وكان عكرمة الفياض والياً على الجزيرة ، فبينما هو في مجلسه وعنده جماعة من أهل البلد ، إذ جرى ذكر خزيمة
فقال عكرمة : ما حاله ؟
فقالوا : صار في أسوأ الأحوال ، وقد أغلق بابه ، ولزم بيته .
فقال عكرمة : فما وجد خزيمة بن بشر مواسياً ولا مكافئا !
قالوا : لا .
فأمسك عن ذلك ،فلما كان الليل عمد إلى أربعة آلاف دينار ، ووضعها في كيس واحد ، وخرج متنكراً سراً حتى وقف بباب خزيمة وطرقه
فخرج خزيمة ، فقال له : أصلح بهذا شأنك ، فتناوله فوجده ثقيلاً ، فقبض خزيمة على لجام الدابة ،
وقال : من أنت ، جعلت فداءك ؟
قال له : ما جيئتك في هذا الوقت وأنا أريد أن تعرفني .
قال خزيمة : فما اقبله أو تخبرني من أنت ؟
قال : أنا جابر عثرات الكرام ، ثم انصرف .
والقصّة تأخذنا إلى زمان المروءة والجود ، وصدقة السرّ ، هناك حيثُ كان للأخلاق أوسع نصيب في موازين الأعمال.
فمتى نشيعُ السّلام في قلوبٍ أتعبتها الغفلة وحبُّ الزينة ، ومتى نرفعُ شعارالعدلِ الداخلي
لنجعله يعمّ في أرجاء المعمورة ..
لأننا مسلمين ..!




LinkBack URL
About LinkBacks

رد مع اقتباس


المفضلات